ابن كثير

336

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )

يسمى الله باسمه الرحمن كما أنكروا ذلك يوم الحديبية حين قال النبي صلى الله عليه وسلم للكاتب " اكتب : بسم الله الرحمن الرحيم " فقالوا لا نعرف الرحمن ولا الرحيم ولكن اكتب كما كنت تكتب : باسمك اللهم ، ولهذا أنزل الله تعالى " قل ادعوا الله أو ادعوا الرحمن أياما تدعوا فله الأسماء الحسنى " أي هو الله وهو الرحمن . وقال في هذه الآية " وإذا قيل لهم اسجدوا للرحمن قالوا وما الرحمن " أي لا نعرفه ولا نقر به " أنسجد لما تأمرنا " أي لمجرد قولك " وزادهم نفورا " فأما المؤمنون فإنهم يعبدون الله الذي هو الرحمن الرحيم ويفردونه بالإلهية ويسجدون له ، وقد اتفق العلماء رحمهم الله على أن هذه السجدة التي في الفرقان مشروع السجود عندها لقارئها ومستمعها كما هو مقرر في موضعه والله سبحانه وتعالى أعلم . تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا وقمرا منيرا ( 61 ) وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا ( 62 ) يقول تعالى ممجدا نفسه ومعظما على جميل ما خلق في السماوات من البروج وهي الكواكب العظام في قول مجاهد وسعيد بن جبير وأبي صالح والحسن وقتادة . وقيل هي قصور في السماء للحرس ، يروى هذا عن علي وابن عباس ومحمد بن كعب وإبراهيم النخعي وسليمان بن مهران الأعمش ، وهو رواية عن أبي صالح أيضا والقول الأول أظهر ، اللهم إلا أن يكون الكواكب العظام هي قصور للحرس فيجتمع القولان كما قال تعالى " ولقد زينا السماء الدنيا بمصابيح " الآية ولهذا قال تعالى " تبارك الذي جعل في السماء بروجا وجعل فيها سراجا " وهي الشمس المنيرة التي هي كالسراج في الوجود كما قال تعالى " وجعلنا سراجا وهاجا " " وقمرا منيرا " أي مشرقا مضيئا بنور آخر من غير نور الشمس كما قال تعالى " وهو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نورا " وقال مخبرا عن نوح عليه السلام أنه قال لقومه " ألم تروا كيف خلق الله سبع سماوات طباقا وجعل القمر فيهن نورا وجعل الشمس سراجا " ثم قال تعالى " وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة " أي يخلف كل واحد منهما صاحبه يتعاقبان لا يفتران إذا ذهب هذا جاء هذا وإذا جاء هذا ذهب ذاك كما قال تعالى " وسخر لكم الشمس والقمر دائبين " الآية وقال " يغشي الليل النهار يطلبه حثيثا " الآية وقال " لا الشمس ينبغي لها أن تدرك القمر " الآية . وقوله تعالى " لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا " أي جعلهما يتعاقبان توقيتا لعبادة عباده له عز وجل فمن فاته عمل في الليل استدركه في النهار ومن فاته عمل في النهار استدركه في الليل ، وقد جاء في الحديث الصحيح " إن الله عز وجل يبسط يده بالليل ليتوب مسئ النهار ، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسئ الليل " وقال أبو داود الطيالسي حدثنا أبو حمزة عن الحسن أن عمر بن الخطاب أطال صلاة الضحى فقيل له صنعت اليوم شيئا لم تكن تصنعه فقال : إنه بقي علي من وردي شئ فأحببت أن أتمه أو قال أقضيه وتلا هذه الآية " وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا " . وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في الآية يقول من فاته شئ من الليل أن يعمله أدركه بالنهار ، أو من النهار أدركه بالليل ، وكذا قال عكرمة وسعيد بن جبير والحسن وقال مجاهد وقتادة خلفة أي مختلفين أي هذا بسواده وهذا بضيائه . وعباد الرحمن الذين يمشون على الأرض هونا وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلما ( 63 ) والذين يبيتون لربهم سجدا وقيما ( 64 ) والذين يقولون ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراما ( 65 ) إنها ساءت مستقرا ومقاما ( 66 ) والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما ( 67 ) هذه صفات عباد الله المؤمنين " الذين يمشون على الأرض هونا " أي بسكينة ووقار من غير جبرية ولا استكبار